Site icon PublicPresse

تفاصيل جريمة القرقف: هكذا قتل الشيخُ الشيخَ

رضوان مرتضى – الأخبار
على مدى خمسة أعوام، لم تخمد نار الخلاف بين رئيس بلدية القرقف العكارية الشيخ يحيى الرفاعي، وهو إمام مسجد ومدير لمدرسة الأندلس، وإمام وخطيب مسجد القرقف الكبير الشيخ أحمد شعيب الرفاعي. الشكاوى الرسمية التي رفعها عدد من أبناء البلدة ضدّ رئيس البلدية، منذ عام 2012، واتهامه بهدر المال العام والإثراء غير المشروع وتحويل المشاريع العامة الى استثمارات خاصة، وبيع مشاعات البلدة، وطلب التحقيق معه في أسباب “كسبه المادي بصورة فاحشة”، تطوّرت إلى اشتباكات وصدامات واعتداءات وإحراق سيارات. لم يهدأ الشيخ أحمد يوماً في متابعة الشكاوى، وفضح ممارسات الشيخ يحيى على مواقع التواصل الاجتماعي. مطلع شباط الفائت، تجدّد الخلاف وتطور إلى إطلاق نار بين الطرفين، بعدما نشرت صفحة وهمية على فايسبوك بإسم “ريم الرفاعي” إتهامات طاولت رئيس البلدية وعائلته. وأبلغ علي يحيى الرفاعي المحققين أنه بعد إدّعاء والده لدى مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية، تبيّن أنّ من يدير الصفحة هو الشيخ أحمد وشقيقه محمود المقيم في ألمانيا.

بدا أن الخلاف المزمن غير قابل للحل، فقرّر رئيس البلدية، بعد فشل كل محاولاته لإسكات غريمه، أن “آخر الدواء”… القتل، وبدأ التخطيط لتنفيذ جريمته.

إلى جانب إبنه علي (مواليد 1995)، كان على يحيى الرفاعي البحث عن منفّذين آخرين، فوقع خياره على أبناء شقيقته الثلاثة الذين يرعاهم منذ وفاة والدهم. إستدعاهم، وعرض عليهم خطته لخطف الشيخ أحمد وقتله، فوافق الثلاثة على الفور على تنفيذ ما يطلبه “الخال”.

قبل أسبوع من موعد إرتكاب الجريمة، تولّى علي إستطلاع شوارع مدينة طرابلس لاختيار المكان الأنسب والأهدأ لاستدراج الضحية بعيداً عن كاميرات المراقبة، ووجد ضالّته في موقع خلف مبنى الجامعة العربية في الميناء. بعدها، إستطلع الشيخ يحيى الموقع بنفسه، يرافقه نجله وأبناء شقيقته، وعاينوا المسالك المؤدية إلى الموقع ومنه… لتبدأ مرحلة التنفيذ.

مطلع شهر شباط، راسل علي الرفاعي الشيخ أحمد عبر تطبيق “واتساب” منتحلاً صفة إمرأة تُدعى “نانسي عباس” تطلب مساعدته في قضية طلاق. تكررت المراسلات وتوطّدت العلاقة هاتفياً بين الشيخ أحمد و”نانسي” المزعومة التي تودّدت إليه وأرسلت له صوراً مسحوبة من الإنترنت مدّعية أنها صورها. وادّعت أنها تعمل في صالون لتصفيف الشعر تملكه “سارة الحسين”، وأرسلت له صور الأخيرة وعرضت عليه التواصل معها مدّعية أنها ترغب في الزواج. لم تكن “سارة الحسين” إلا علي الرفاعي نفسه. بدأت الإتصالات بين الشيخ أحمد و”سارة” وتطورت إلى أحاديث حميمة، وأرسلت إليه صوراً مسحوبة من الإنترنت، فكان أن عرض عليها عقد زواج مؤقت. الأحد، في 19 شباط، نسّقت “سارة” موعداً مع الشيخ أحمد على أن تلتقيه في اليوم التالي بحضور “نانسي”، عند السادسة والنصف مساء، خلف مبنى جامعة بيروت العربية، وطلبت منه أن يحضر معه صنفاً من الحلويات وهاتفاً خلوياً كون هاتفها يُعاني من مشكلة في الإرسال. في التحقيق معه، أفاد علي الرفاعي بأن أي إتصال صوتي أو بتقنية الفيديو لم يحصل بين “سارة” والشيخ أحمد، وأن الأخير حاول في إحدى المرات الإتصال بـ”سارة” هاتفياً، فـ”قطعت الإنترنت عن الإتصال وتذرّعت بأن الشبكة ضعيفة”.

مساء الإثنين، 20 شباط، أدّى الشيخ أحمد الرفاعي صلاة المغرب في مسجد البركة في البداوي، ومرّ بمحل حلويات في طريقه إلى البحصاص إلى الموعد المتفق عليه قبل أن ينقطع الاتصال به نهائياً.

طرف الخيط الأول الذي تبعه المحققون كان بعض كاميرات المراقبة المثبتة على جوانب طرقات عبرتها سيارة الشيخ الرفاعي، وهي من طراز “هوندا” Crv لون فضي. فتبين أنّ منفذي عملية خطف الشيخ استخدموا سيارتين من طراز “كيا”، إحداهما سوداء تحمل لوحة مزوّرة، والثانية “جردوني” عائدة إلى رتيب في قوى الأمن الداخلي. (إستُمع إلى إفادته لاحقاً وتبين أنّه أعار سيارته إلى إبن عمه من دون أن يكون على علم بأي أمر حول الجريمة). إتفق المنفّذون على عدم اصطحاب هواتفهم الخلوية أثناء العملية، والتواصل عبر أجهزة “ووكي توكي” لعدم تعقّب إتصالاتهم.

كانت هذه السيارة في إنتظار الشيخ أحمد الذي وصل بسيارته لتلحق به سيارة الـ”كيا” السوداء التي كان الشيخ يحيى يقودها وإلى جانبه نجله علي، وسدّت الطريق وراءه. ترجّل الشبان الثلاثة من السيارة الأولى، وكانوا يرتدون لباس قوى الأمن الداخلي ويحملون أسلحة، ما أوحى بأن ما يجري هو عملية أمنية. أمروا الشيخ بالنزول من سيارته، ليعالجه علي الرفاعي من الخلف بضربة من كعب مسدسه، فسقط أرضاً، ثم عاجله بضربة بـ”قسطل” حديديّ فغاب عن الوعي. قيّد الشبان الأربعة الضحية بالأصفاد، وربطوا رجليه بأربطة بلاستيكية، وحشروه في صندوق السيارة التي كان الشيخ يحيى وراء مقودها. إنطلق الأخير بالسيارة وإلى جانبه نجله، وتبعتهم السيارة الأخرى وسيارة الشيخ التي تولى أحد الشبان قيادتها في إتجاه موقف الـ”سبينيس” في طرابلس، حيث رُكنت الـ”كيا” الـ”جردونية”، وأكملت السيارتان الأخريان نحو محيط مستشفى هيكل في راس مسقا (الكورة)، حيث رُكِنَت سيارة الضحية، فيما تابعت الـ”كيا” السوداء، يقودها الشيخ يحيى ومعه إبنه وأحد أبناء شقيقته، في إتجاه البحصاص، ورُصد مرورها على حاجز الجيش في دير عمار باتجاه المنية، ثم جديدة القيطع.

في الطريق إلى الضنية، تعالى أنين الشيخ الذي إستفاق وبدأ بالضرب على صندوق السيارة، فترجّل علي منها وفتح الصندوق وضرب الضحية على رأسه بالقسطل مرة أخرى ليغيب عن الوعي مجدداً.
بعد فترة قصيرة، إستفاق الشيخ مجدداً، وعاد إلى الضرب على صندوق السيارة، فترجّل علي مرة أخرى، ومجدداً وجّه إلى الشيخ ضربة بالقسطل أفقدته الوعي. مرة ثالثة، إستفاق الشيخ من غيبوبته وعاد إلى الضرب على صندوق السيارة. أوقف الشيخ يحيى السيارة إلى جانب الطريق الخالي من المارة في محلة المعرض، وقال لنجله: “يللا”، فترجّل الأخير وفتح صندوق السيارة وصوّب مسدسه إلى قلب الشيخ أحمد وأطلق النار، وظنّ أنه أنهى عليه. أكملت السيارة طريقها، وقبل وصولها إلى حاجز الجيش في دير عمار، فوجئوا بأنين مرتفع يصدر من صندوق السيارة، وبطرق من الداخل، فقال علي: “يبدو أن الرصاصة أصابت أسفل القلب”! عندها بدأ الشيخ يحيى يطلق “زمور” السيارة للتمويه على صوت الأنين، وعاد أدراجه مسرعاً في إتجاه المعرض، حيث ترجّل علي وإبن عمته، وعمدا إلى ربط يدي الشيخ برقبته قبل أن يطلق علي رصاصة على رأسه. قاد الشيح يحيى السيارة باتجاه دير عمار، وقبل الوصول إلى الحاجز، توقف للتأكد من أن الضحية أسلمت الروح. طلب العسكري على الحاجز من سائقها أن يتوقف يميناً، فأبرز الشيخ يحيى بطاقة دار الفتوى التي يحملها لتسهيل مروره، واجتاز الحاجز بأعصاب باردة.

وصل الثلاثة إلى وجهتهم في منطقة عيون السمك حيث كانوا قد جهّزوا مسبقاً حفرة بعمق ثلاثة أمتار، ألقوا فيها الجثة وأهالوا عليها بعض التراب بواسطة رفش تركوه هناك مسبقاً، ليعود إبن شقيقة الشيخ يحيى لاحقاً، وهو سائق جرافة، لطمر الحفرة تماماً.

بعد الجريمة، تخلّص علي من شريحتي الخطين الهاتفيين اللذين إستخدمهما لاستدراج الشيخ أحمد، وطمر مسدساً كان يحمله الشيخ أحمد في حديقة منزل والده.

في 24 شباط، بعد أربعة أيام على الجريمة، أوقف فرع المعلومات، بناءً على إشارة القاضية سمرندا نصار، علي يحيى الرفاعي. طرف الخيط الذي قاد إليه، كان تحديد الفرع الفني في “المعلومات”، بالتوازي مع داتا كاميرات المراقبة، رقمين أمنيين تطابقا مع مسلك سيارتَي الكيا وانقطعا عن الشبكة مباشرة بعد تنفيذ العملية. كذلك تبيّن أن أحد الخطين الهاتفيين اللذين استُخدما لاستدراج الضحية، إستخدمه علي الرفاعي أعوام 2017 و2019 و2021. كما تبين أنّ رقم علي الرفاعي لم يسجّل أي إتصالات أثناء عملية الخطف، وبقي ضمن نطاق القرقف. بعد توقيفه، حاول علي الرفاعي تضليل التحقيق، فقدّم رواية كاذبة لإخفاء تورط والده، مدعياً بأنّ مصطفى الميقاتي الذي أوقفه الجيش شارك في الجريمة مع شخصين من وادي خالد والبقاع. بعدها أرشد المحققين إلى مكان سيارة الضحية قرب مستشفى هيكل، ثمّ عبر محاولة التراجع عن إفادته، قبل أن يعترف بتفاصيل الجريمة التي كادت أن تشعل فتنة طائفية قبل أن يتبين أن دوافعها عائلية، فيما حاول الشيخ يحيى أثناء التحقيق معه المراوغة مدّعياً بأنّ النية كانت خطف الشيخ أحمد و”تسليمه إلى السوريين لتأديبه وليس قتله”.

رأي القانون والشرع!
بعد إختفاء الشيخ أحمد شعيب الرفاعي، تصدّر رئيس بلدية القرقف ومنفذ عملية الخطف والقتل الشيخ يحيى الرفاعي لقاءات المشايخ والفاعليات التي طالبت بالكشف عن مصير الشيخ المختفي. غير أن الشيخ المخطّط، على ما يبدو، كان يشعر بأنه لن ينجو من فعلته. إذ رصد الفرع الفني في المعلومات أنّ الرفاعي أجرى بحثاً على محرّك “غوغل” للإطّلاع على العقوبات التي يُحكم بها من يشارك في عملية خطف بحسب القانون اللبناني. كذلك سُجّل إجراؤه بحثاً عن معنى “عقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة” وكيفية تنفيذها، وبحثاً آخر عن رأي الشريعة في الإنتقام وجواز تنفيذه.

Exit mobile version